المشاركات

إبن الكيميرا- لينا كرون (قصة قصيرة)

صورة
ولدتُ, ليس لأن أحداً أراد للأمر أن يحدث, ذلك أن أحداً لم يؤمن بأمكانية حدوثه, فأمي بشرية وأبي كيميرا, كان من أوائل الكائنات التي هُجّنت من عدّة أنواع. صورة واحدة فقط باقية له وهي ليست فوتوغرافية, بل صورة بالألوان المائية كانت قد رسمتها أمّي, يجلس فيها أبي على أريكة حاملاً كتاباً وواضعاً برقة حافراً فوق الآخر. أحبّ تصفّح الكتب المصورة حسب ما تقوله أمّي, حيث أنه لم يتعلم القراءة قطّ. في الصورة يرتدي معطفاً ازرقاً أنيقاً بدون بنطال وطبقة فرو رماديّة ثخينة تغطّي ساقيه الصلبتين وصولاً إلى الحوافر, وتنحني قرون صغيرة على جبهته المحدّبة. يلفت النظر لوجهه تلك العينين المدورتين الصفراوين, فمه الواسع على نحو استثنائيّ, ذقنه الصغير وانفه المسطّح والضخم بشكل يثير الدهشة. تظهر الغابة من خلال النافذة خلفه, وفي الأعلى القمر محمراً وكأنه ينزّ دماً. ولو أنك نظرت بشكل أقرب للصورة ستلاحظ أن الكتاب بين يدي هوكان يحمل صورته نفسها وفيها ينظر إلى الكتاب بذات ضوء القمر. لم تكن الواجبات المدرسية تثير انتباه أمّي وهو ما كان مخيباً لآمال جدّتي التي كانت قاضية في المحكمة العُليا. كانت عمتي دائماً ما تقول أن أمي...

سيأتي الموت مصحوباً بعينيك - تشيرازي بافيزي

صورة
سيأتي الموت مصحوباً بعينيك, هذا الموت الرابض معنا نهاراً وليلاً, المؤرق, الأصم, مثل حسرة قديمة أو رذيلة خرقاء. عيناك ستكونان كلمة بلا نفع, ستكونان بكاءاً مكتوماً, ستكونان صمتاً. ستراها كلّ صباح حين تتكئ وحيداً على المرآة. آه أيها الأمل العزيز, سنعرف كلانا حينها أنك الحياة واللاشيء. لموت كلّ واحد منّا نظرة, والموت سيأتي مصحوباً بعينيك. سيكون مثل انقضاء رذيلة, وكما يُرى في المرآة مثل وجه ميت يعود للظهور, مثل الإنصات لشفاة مغلقة, هكذا سننزل إلى الهاوية بصمت.

رسالة البير كامو لأحد أصدقاءه

صورة
عزيزي, لا أعرف ما الذي يتوجب عليّ فعله, ساعدني في اتخاذ القرار. هل اشقّ نفسي وأدلق قلبي فوق هذه الصفحات؟ أم أجلس منزوياً دون فعل أي شيء؟ ذلك أن لا أحد سيسألني شيئاً على أي حال. ...

أريدك أن تعرف- بابلو نيرودا

صورة
أريدك أن تعرف شيئاً واحداً: إذا أنا تطلعت إلى القمر البللوري وإلى الغصن الأحمر وإلى الخريف المتباطئ على نافذتي, إذا أنا لمست الرماد الذي لا يمكن لمسه وهو يتصاعد من النيران أو لمست عِرق الخشب المتغضن.  جميعها تحملني إليك !ِ كما لو أن كل ما في الوجود من عطر ونور ومعادن، هي سفائن صغيرة تبحر نحو جزرك  التي تنتظرني. حسناً، والآن إذا أنت توقفت عن حبي فسأتوقف كذلك، وإذا أنت يوماً نسيتني لا تبحث عني, فسأكون قد نسيتك. وإذا أنت ظننت أن رياح الرايات التي تعبر حياتي طويلة ومجنونة وقررت أن تتركني وحيداً على شاطئ القلب الذي تنبُت فيه جذوري, فتذكر أن في ذلك اليوم وفي تلك الساعة سأرفع ذراعيّ وستخرج جذوري  باحثة عن أرض أخرى لها.

ترجمة لصموئيل بيكيت

طريقي رمال منسابة بين الحصى والكثبان، عليّ ينهمر مطر الصيف، منيّ تلوذ حياتي بالفرار،  تفرُّ للبداية.. تفرُّ للنهاية * راحتي تكمن هناك حيث ينحسر الضباب حين أكف عن وطئ عتبات تأخذ بي لدروب طويلة، وأعيش بسلام بابٍ بسيطة،  ليس لها سوى أن تُفتح وتُغلق.

قصيدة البوصلة- لويس بورخيس

صورة
ليست الاشياء سوى كلمات، تنتمي لتلك اللغة؛ اللغة التي يمارسها شخص ما، شيء ما، يمارسها النهار والليل في ثرثرة لا منتهية، هذه الثرثرة في حدّ ذاتها هي تاريخ العالم. وفي هذا المزيج تجدْ؛ روما وقرطاج، تجدنا جميعاً: هو وأنت وأنا، تجد حياتي التي لا اقبض عليها، هذا الثقل المؤلم من الوجود الملغّز، العشوائي والشبيه بأحجية، كلّنا في هذا المزيج، وكلّ رطانة بابل تتدفق من خلالنا، وخلف كل اسم هناك شيء لا يحمل إسماً؛ اليوم أحسست بثقل ظلّه بهذه الابرة الزرقاء في توجهها المرتعش، إنها توجه ذاتها إلى أبعد مضيق، بشيء من ساعة تومض في حلم، بشيء من طائر يرتعش في نومه.

قصيدة لشاعر فنلندي (إينو لينو)

صورة
في هذا المساء، يملأ صوت طائر المرعة مسمعي، ويفيض ضوء القمر على حقول القمح، ويشتعل الحطب مغطّياً بدخانه _مثل وشاحٍ_ وديان القرى البعيدة. ها أنا احس بمتعة الصيف تعتريني. لستُ سعيداً، ولا حزيناً، ولا اتنهد؛ لكني أميل للغابة المعتمة الساكنة، لأني من الغيوم الوردية التي تبتلع الأيام؛ من التلال العاصفة التي تصير زرقاء في سكونها؛ من عطر زهرة الينيا.. وضلال الماء؛ لأني من هؤلاء خلقت أغنية قلبي. يا فتاتي الحلوة مثل حبة حنطة، يا سكينة قلبي، لا اغني إلا لكِ، يا صلاتي، ونغمي، يا إكليلاً من اغصان البلوط، خضراءً ونظرة. لن اُطارد السراب بعد الآن، فسعادتي احتظنها ها هنا بين يديّ. تضيق حلقة الحياة كل يوم ثم تُغلق، توقف الوقت الآن.. ونامت كل الديكة، وهذا الطريق المعتم أمامي أراه يأخذني لمكان أجهله.